تاريخ مدينة تلمسان :

بوماريا ، الكلمة اللاتينية التي تعني البساتين ، جوهرة المغرب العربي أو أغادير الوصف أو الإسم الذي يعني لإشعاعها و جمالها و ثقل تاريخها و قوة تأثيرها .. أسماء متعددة لمدينة تلمسان ، روعتها جعلت عشاقها يكتبون : لو كان للمدن توائم لكانت تلمسان توأم الأندلس ، و هذا ما يخلص إليه كل زائر لجوهرة المغرب العربي التي زاوجت بين الاصالة و الحداثة فاستحضرت روح التاريخ و عقبته بين ثنايا المعالم الشامخة من شرق أبوابها إلى غرب أسوارها ، و هي تخطو نحو المستقبل في كنف جزائر الالفية الجديدة .

جولة في تاريخ عريق    

الحديث عن تلمسان يبدأ من التاريخ القديم لمرحلة ما قبل الفتوحات ، أي ما قبل القرن الثالث للميلادي ، و هي الفترة التي عرفت دخول الرومان إليها ، و من الصعب الإعتقاد أن هذه المدينة الإستراتيجية لم تكن من المدن القوية في موريتانيا القيصرية و إمبراطورية صيفاقص و مسينيسا و يوغرطا حيث كانت جزءا من المقاومة الأمازيغية للغزو الروماني بعد سقوط دولة صيفاقس .

و بعد الفتوحات الإسلامية عرفت تلمسان ظهور دولة بني يفرن ، و في منتصف رجب 173ه / 789م  ، قدم صاحب أغادير البيعة للملك الجديد إدريس الأول دون أي قتال ، فكان حكم الأدارسة طيلة القرن التاسع الميلادي ، كما عرفت حصار المرابطين الذين فتحوها عام 1079م بزعامة يوسف بن أبي تاشفين و بنوا فيها ضاحية تاغرارت ، و الموحدين الذين دام حكمهم 40 سنة بعدما فتحها عبد المومن بن علي الكومي على إثر حصار عام 1143م ، ثم بني عبد الواد الذين دام حكمهم ثلاثة قرون بدءا من القرن الثالث عشر الميلادي إلى نهاية القرن الخامس عشر الميلادي ، هؤلاء الذين خلدوا وجودهم بتراث فكري و مادي زاخر إلى أن ضعفت خلافتهم بفعل التدخلات الإسبانية في شؤون القصر بالمشور فـكـانت مـن نصيــب العـثمـانيــيـن عنـدمـا دخـل عــروج تـلمســان فـي سـبـتـمـبــر 1517م ، و استحوذ على الملك فيها ، و قبل هذه المرحلة عاشت تلمسان حصارا قاده المرينيون عام 1299 و لم يرفع إلا بموت السلطان المريني أبي يعقوب بعد سبع سنوات .

في سنة 1842 دخل الإستعمار الفرنسي إلى تلمسان ، حيث شرعت السلطات الإستعمارية في تغيير خريطة شوارع المدينة و أزقتها ، ثم قامت الإدارة الفرنسية بهدم المدرسة التاشفينية الشهيرة سنة 1872م ، و المدرسة اليعقوبية ، و في هذه الفترة عرفت تلمسان تفاعلا سياسيا صنعت الحركة الوطنية أمجاده بقيادة الزعيم مصالي الحاج ابن تلمسان الذي قاد النضال الوطني في الجزائر و المغرب العربي ، و مع اشتعال فتيل الحرب التحريرية كانت تلمسان قد تأهبت للحدث العظيم فدفعت خيرة أبنائها قربانا للحرية ..

ورغم تاريخ طويل من الإستعمارات المتعاقبة فإن آثار المدينة المتعاقبة ظلت شامخة شموخ تاريخها ، و خضع 99 معلما تاريخيا العام الماضي للترميم وفق القواعد العلمية المتعارف عليها لدى علماء الآثار ، بدءا بأبواب المدينة التاريخية و قصر السلطان و مقر قيادته بالمشور إلى مساجد المدينة و أبرزها المسجد العتيق و مسجد سيدي لحسن و سيدي الحلوي و سيدي بومدين .

تلمسان اليوم .. نهضة تشرق

تتمتع تلمسان اليوم بنهضة تنموية شاملة ، حيث توسعت جغرافيتها الحضرية نحو هضبة لالة ستي جنوبا ، إذ تحــولت إلى قطـب سيـاحــي يضــم مـجـمـوعة من المنشآت السياحية و الفندقية التي تجلب آلاف الزوار يوميا ، أما شمالا فتوسعت نحو منطقة بوهناق بآلاف الوحدات السكنية.

و على مدار العقد الأخير من الألفية الجديدة ، ركزت مخططات التنمية بتلمسان على شتى المجالات الهامة كالتعليم العالي و البحث العلمي ، فقد فتحت جامعة أبي بكر بلقايد أبوابها غلى آفاق جديدة بعدما اتسعت لقطبي جامعيين من الطراز العالي بيداغوجيا و معماريا ، أما البنية التحتية فاستفادت من استثمارات كبرى في مجالات الري و التزود بالمياه الصالحة للشرب و السقـي الفـلاحـي و تحلية مياه البحر التي بلغت استثماراتها نحو 500 مليون دولار ، كما عرف الجـانب الأمـنـي تعميما للشرطة الجوارية التي ساهمت في بسط الأمن و الأمان على الجوهرة تلمسان .